حسن الأمين

61

مستدركات أعيان الشيعة

وجرد محاريب الكعبة من الذهب والفضة وسكها نقودا معلنا بذلك ولادة دولة مستقلة في الحجاز والشام أشد تورطا منه ؟ نعم إنه كان « المحرض الأكبر » على تحقيق ما تم ضد الدولة ، ولكنه في النهاية يظل الإنسان المظلوم الذي فقد أهله وكاد يفقد حياته ، وهو لا يعلم لهم ولا لنفسه ذنوبا محددة . ألا يمكن أن يفيء الحاكم إلى الهدوء ، فيعفو عنه كما عفا عن الآخرين ؟ يقول ابن المغربي في إحدى قصائده مخاطبا الحاكم بعد قتله لأهله ( 1 ) : وأنت وحسبي أنت تعلم أن لي لسانا وراء المجد يبني ويهدم وليس حليما من تقبل كفه فيرضى ، ولكن من تعض فيحلم ويرى ابن العديم والمقريزي أن ابن المغربي كتب إلى الحاكم رسالة وصدرها بالبيتين لما علق بنو الجراح بحبال الإغراء المادي وتخلوا عن أبي الفتوح وانحل ما عقده ابن المغربي من أمره . وهذا قد يفهم منه أنه كان يحاول استدراج الحاكم إلى العفو ، فكتب إليه الحاكم أمانا هذا نصه : بسم الله الرحمن الرحيم : هذا كتاب كتبه المنصور أبو علي الامام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين ابن الإمام العزيز بالله أمير المؤمنين لحسين بن علي بن حسين المغربي : إنك آمن بأمان الله ورسوله محمد المصطفى وأبينا علي المرتضى والأئمة من آلهما مصابيح الدجى صلى الله عليهم وسلم ، وأمان أبينا الأقرب نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير المؤمنين قدس الله روحه وصلى عليه ، على النفس والجسم وجميع الحواس والجوارح والمال والحال والأهل والأقارب والأسباب أمانا ماضيا لا يتعقب بتأويل ولا يتبع بفسخ ولا تبديل ، وإن الامام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين آمن حسين بن علي بهذا الأمان بعد أن تحقق له ذنوبا كبيرة وأجراما عظيمة ، فصفح عن علم ، وتجاوز عن معرفة وحلم ، وجعل هذا الأمان كالاسلام الذي يمحو ما قبله ، ويمهد الخير لما بعده ، فكل سعاية ووشاية وذنب وجريمة تنسب إلى حسين بن علي هذا قد تحقق أمير المؤمنين أكثر منها وصفح عنه ، فلا يدله عليه إلا الإحسان إليه . وإن الحسين بن علي هذا اختياره عند وقوفه على هذا الكتاب في انكفائه إلى الباب العزيز والتعرض للخدمة ، أو التوفر على العبادة لا يكره على خدمة يستعفي منها ولا تقبل عليه الأقاويل في خدمة يتعلق بها . وأقسم أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله على ذلك بإيمان الله وغليظ مواثيقه وبيته الحرام ومشاعره العظام وآياته الكرام وحقوق جميع آبائه ع ، فمتى غير أو بدل أو أمر أو أملى أو أسر أو أعلن أو دس أو اغتال فجميع المسلمين في شرق الأرض ومغاربها وفي الموقان والري وجدة وأذربيجان والدينور وهمذان والسهل والجبل والقريب والبعيد والعراق والشام وديار ربيعة وديار بكر وديار مضر وحلب ومصر والحجاز والمغرب في حل وسعة من بيعته ، وقد فسح الله لهم وفسح لهم أمير المؤمنين في النكث لها ، وبرأ نفسه مما أوجبه عليهم والتزموه في أعناقهم منها ، وقد برئ من الله ورسوله ، والله ورسوله منه بريئان ، وبرئ إليه من حوله وقوته ، والتجأ إلى حول نفسه وقوتها ، وأشهد الله وملائكته وصالحي خلقه على نفسه بذلك كله : أمانا مؤكدا وذماما مؤبدا ، وعهدا مسؤولا وميثاقا محفوظا مرعيا ، وكفى بالله شهيدا ، وكتب المنصور بيده ( 2 ) هاهنا رجل خائف يخشى أن يسلمه بنو الجراح إلى الحاكم ، ثم هو يكاتب الحاكم لعله يستعطف قلبه . هذا شيء قائم على التعارض ، والحقيقة بعد ذلك كله ، أن ابن المغربي لم يكتب مستعطفا ، والبيتان الشاهدان على الاستعطاف ينطويان على التهديد « تعلم أن لي لسانا وراء المجد يبني ويهدم » وفيهما إيماء إلى طيش الحاكم وجهله وعجزه عن إظهار الحلم في المواطن الضرورية ، وسواء أفهم الحاكم ذلك أم لم يفهم فإنه كتب له أمانا وشحنه بالمواثيق المؤكدة والأيمان المغلظة ، والتعهدات المؤيدة ، ومع ذلك فالأمان شرك الصائد ، ولهذا لم ينتظر ابن المغربي أمانا لأنه لم يكن يتوقعه ، وغادر الرملة فارا بنفسه - أو في صحبة البحتريين من طيئ - حتى وصل إلى بغداد . وحين دخل بغداد كان الخليفة هو القادر بالله ( - 422 ) الذي تصفه المصادر بالدين والعلم والوقار وكثرة الصدقات ، والقائم بخلافته في بغداد بهاء الدولة وضياء الملة أبو نصر بن عضد الدولة ( - 403 ) وقد تزوج القادر بنته سكينة . وتولى بعده ابنه سلطان الدولة ( - 415 ) ، فاستخلف أخاه مشرف الدولة ببغداد وجعل إليه إمرة الأتراك خاصة ، فحسنوا له العصيان فاستولى على بغداد وواسط وقطع خطبة أخيه سلطان الدولة ( 3 ) فانحاز أخوه إلى أرجان ثم اصطلحا وتقاسما الملك ، فبقي مشرف الدولة في العراق وشيراز وكرمان ولأخيه سلطان الدولة فارس وبخارى . وتوفي مشرف الدولة سنة [ 316 ] 416 وخلفه أخوه جلال الدولة ببغداد . وكانت البطائح تحت إمرة مهذب الدولة علي بن نصر ( - 408 ) كما كانت الموصل ومعها أحيانا الكوفة وسقي الفرات تحت حكم قرواش بن المقلد العقيلي ( - 443 ) وكانت ديار بكر في يد بني مروان ، وأعظم رجالهم الملك نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي الذي حكم إحدى وخمسين سنة ( - 453 ) . في هذا الجو الجديد زج ابن المغربي بنفسه أو زجت به الأقدار لكي يعيش متنقلا من مكان إلى آخر طوال البقية الباقية من عمره ( 402 - 418 ) ، وكان تنقله من منصب إلى آخر إما بداعي الطموح إلى ما هو أحسن ، وإما هربا من وضع جديد لم يعد الركون إليه مأمونا ، ومن العسير تتبع خطواته بتسلسل دقيق ، فما أعرضه هنا ليس إلا صورة مقاربة لا أظنها تسلم من الخطا : 1 - حين وصل بغداد أم حضرة فخر الملك أبي غالب محمد بن علي بن خلف ( 4 ) ، وكان وزير بهاء الدولة ثم وزر من بعده لابنه سلطان الدولة ، فإن كان وصل بغداد وبهاء الدولة حي ، فمعنى ذلك أنه كان هنالك قبل سنة 403 ( 5 ) ، وكان فخر الملك من أعظم وزراء آل بويه ، واسع النعمة ، جزيل العطايا ، مقصدا للشعراء من أمثال ابن نباتة ومهيار ، وأنشأ ببغداد بيمارستانا عظيما ، ولهذا ليس بغريب أن يقصده ابن المغربي . وأقدر أنه كان وزيرا ذا حول وطول واثقا من نفسه ولم يكن يرى في ابن المغربي إلا رجلا غريبا لجا إليه ليستعين بجاهه ، فهو يبذل له ما يستطيعه من عون . ولكن المشكلة - غير المتوقعة - هي أن الخليفة القادر بالله لم يرحب بابن المغربي صدرا ، بل رأى أن وجوده في بغداد خطر على الدولة . كان القادر بالله بين أمرين : إما

--> ( 1 ) القطعة رقم : 92 من الشعر ، وانظر بغية الطلب 5 : 25 ، وخطط المقريزي : 2 158 . ( 2 ) بغية الطلب 5 : 25 ( ولم يورده المقريزي ) . ( 3 ) سير أعلام النبلاء 17 : 346 . ( 4 ) ابن خلكان 5 : 124 ( وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى ) وسير أعلام النبلاء 17 : 282 . ( 5 ) في بغية الطلب 5 : 26 فخر الملك « وزير مشرف الدولة » وهذا إن كان دقيقا يعني أن وصول المغربي تأخر حتى ما بعد 403 ، ولكني لا أظنه يتمتع بدقة كافية .